|
يتفق اعلام التصوف ونجوم سمائه على ان التصوف هو الحكمة . والحكمة معرفة الله وهي طريق سعادة الدارين. قال سبحانه : " ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا" سورة البقرة الآية 269. وقال تعالى في سورة الجمعة :" هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة" .
فمن اراد ان يبلغ الحكمة اي معرفة الله ؛ عليه ان يتحلى بادب الشريعة ويزكي نفسه ويجنبها من كل سوء . فاذا جاء عمله موافقا للشريعة، وامتلأ قلبه بنور العبادة استحق وجدانه ان يتجلى فيه نورالحق .
والى هذا يشيرالحديث الذي يروى عن النبي(صلى الله عليه وسلم) "قلب المؤمن عرش الله". وفي رواية عرش الرحمن ..
قال سبحانه وتعالى في سورة النازعات :
" واما من خاف مقام ربه ونهىالنفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى" . ان المعرفة الصوفية هي من افضل المعارف ذلك انها معرفة الله ولا ريب ان معرفة الله هي اساس كل فيض ، واشرف من كل معرفة. وصاحبها من اشرف بني آدم .
والصوفي هو ذلك المسلم الذي قطع مراحل اليقين في الطريق حتى اطمأن قلبه بحق اليقين، كما قال تعالى في سورة الفتح" هو الذي انزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم". ولا يحصل هذا المقام الالمن جاهد وسعى بدليل قوله تعالى" والذين
جاهدوا فينا لنهدنيهم سبلنا" ان حجة الاسلام الغزالي خير من عرف التصوف وعرفه، فقد سلم بان الشريعة والطريقة واحد ولكن الشريعة تعنى بظاهرالامور، ويعنى التصوف بما في القلوب. ورأى ان التصوف لا يدرك بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات.
قال الغزالي في كتابه احياء علوم الدين:
" الطريق تقديم المجاهدة ، ومحوالصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها والاقبال بكنه الهمة على الله تعالى . ومهما حصل ذلك كان الله المتولي لقلب عبده، والمتكفل له بتنويره بانوار العلم . واذا تولى الله امر القلب فاضت عليه الرحمة، واشرق النورفي القلب، وانشرح الصدر. وانكشف له سرالملكوت ، وانقشع عن وجه القلب حجاب العزة بلطف الرحمة وتلألأت فيه حقائق الامورالالهية ".
وقد وردت هذه الحقيقة التي تؤكد ان التصوف هو اتباع للشريعة بالقلب وبالجوارح لاباللسان فقط في امهات مراجع علم التصوف منها؛ احياءعلوم الدين للغزالي، والرسالة القشيرية للشيخ عبدالكريم بن هوازن والتعرف لمذهب اهل التصوف للشيخ محمد الكلاباذي وقوت القلوب للشيخ ابي
طالب المكي ( 386هـ) واللمع للشيخ ابي نصر السراج، ومكتوبات الامام الرباني، وتذكرة الاولياء للعطار، والمواهب السرمدية وتنويرالقلوب للشيخ محمد امين الكردي.
لتوسيع اضطراب الفرق مع تباين المسالك ، وما استجرأت عليه من افاق المعرفة في رحاب التصوف نلقي الضوء علىالتجربة الصوفية للامام الغزالي المحلق في سماء المعرفة والبصيرة كما كتبها بنفسه في كتابه " المنقذ من الضلال".
وفيه يقص الامام حياته الفكرية المتنقلة من الدراسة المستفيضة الى الشك ثم الى اليقين وخلاصة هذه الرحلة كما قال:" فقد سالتني ايها الاخ في الدين ان ابث اليك غاية العلوم واسرارها ، واحكى لك ماقاسيته في استخلاص الحق من بين الارتفاع عن حضيض التقليدالى بقاع الاستبصار. فابتدرت لاجابتك الى مطلبك " ثم قال :" ولم ازل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين الى الآن. وقد اناف السن على الخمسين، اقتحم لجة هذا البحر العميق، واخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، اتوغل في كل مظلمة ، واتهجم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة، واتفحص عن عقيدة كل فرقة واستكشف اسرار مذهب كل طائفة لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع. لا اغادر باطنيا الا واحب ان اطلع على بطانته ولاظاهريا الا واريد ان اعلم ما حاصل ظهارته، ولا فلسفيا الا واقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما الا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا الا واحرص على العثورعلى سر صفوته، ولا متعبدا الا واترصد مايرجع اليه حاصل عبادته ولا زنديقا معطلا الا واتحسس وراءه للتنبيه لاسباب جرأته في تعطيله وزندقته.
وقد كان التعطش الى درك حقائق الامور دابي، وديدني من اول امري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي لاباختياري وحيلتي حتى انحلت عني رابطة التقليد ، وانكسرت على العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصب.
وقال : فقلت في نفسي اولا : انما مطلوبي، العلم بحقائق الامور فلابد من طلب حقيقة العلم : ماهي ؟ فظهرلي : ان العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ، ولا يقارنه امكان الغلط والوهم . ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الامان من الخطأ ينبغي ان يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى باظهار بطلانه ـ مثلا ـ من يقلب الحجر ذهبا ، والعصا ثعبانا لم يورث ذلك شكا وانكارا فاني اذا علمت: ان العشرة اكثر من الثلاثة.
فلو قال لى قائل: لا بل الثلاثة اكثر بدليل اني اقلب هذه العصا ثعبانا ، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم اشك بسببه في معرفتي ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه. فاما الشك فيما علمته فلا. ثم علمت: ان كل مالا اعلمه على هذا الوجه، ولا اتيقنه هذا النوع من اليقين فهو علم لا ثقة به، ولاامان معه. وكل علم لا امان معه فليس بعلم يقيني.
ثم فتشت عن علومي فوجدت نفسي :عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة الافي الحسيات والضروريات.
ثم قال : فلما خطرت لي هذه الخواطر(وهي الشك في كل معقول ومحسوس) وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر. اذ لم يكن دفعه الابالدليل . ولم يمكن نصب دليل الامن تركيب العلوم الاولية، فاذا لم تكن مسلمة لم يكن تركيب الدليل.
فاعضل هذا الداء ودام قريبا من شهرين انا فيهما على السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال حتى شفاني الله تعالى من ذلك المرض وعادت النفس الى الصحة والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بهاعلى امر ويقين. ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر.
|