|
ان التصوف الاسلامي هوالشريعة الاسلامية عينها، ويعني اتباع القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة . ولكن المتصوف يعنى بمجاهدة النفس، ويتوجه الى محراب العبادة لاأداء الواجب الديني فحسب بل شوقا بحبه. وقد يستعذب العذاب في سبيله مرددا قوله تعالى " قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا ".
واذا كان العشق المجازي يدفع المحب للفداء في سبيل حبيبته فكيف الحال مع العشق الحقيقي؟
وتمثل هذه الحالة رابعة العدوية اذ تقول :
" ما عبدته خوفا من ناره، ولاحبا لجنته فاكون كالاجير السوء بل عبدته حبا له وشوقا اليه" فالتصوف نشأ مع بزوغ فجر الاسلام واشراقه في قلب النبي الكريم محمد (صلىالله عليه وسلم).
وقد شع النور الحقيقي من معدن النبوة في قلوب خلفائه الراشدين واصحابه الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه .
وقد تميز البعض منهم في الاشراقة المحمدية مثل الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان العبسي وحارثة بن مالك الذي قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حقه : من سره ان ينظر الى من نور الله قلبه فلينظر الى حارثة بن مالك .
وذكر القشيري في رسالته ان اصحاب النبي الكريم حازوا كل مكرمة بشرف الصحبة وحيث انه لا فضيلة اكرم منها قيل لهم " الاصحاب " وسمى من صحبهم "التابعين" وفي عصر التابعين تسللت شيئا فشيئا أغراض دنيوية وظهر ناس امتعضوا من هذه الظاهرة، وضاقت صدورهم بها فاختاروا العزلة فرارا بدينهم من الفتن واكتفاء بالنصيحة لاخوانهم فاطلقت على هؤلاء تسميات منها:
الصوفي . الزاهد والحقيقة ان "الزاهد" كان معروفا عند العرب قبل الاسلام وبعده ولكن "الصوفي" عرف في عهد التابعين واطلق على الذي ابتعد عن مفاتن الدنيا من القصور والجواري والاموال ، واستغرق في عبادة الله وذكره.
لذلك دليلين :
1 ـ قال الامام الحسن البصري ( 21 ـ 110 هـ ) :
رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذه وقال معي أربعة دوانيق فيكفيني مامعي"
2 ـ قال الإمام سفيان الثوري ( 97 ـ 161 هـ ) :
لولا ابو هاشم الصوفي ماعرفت دقيق الرياء .
قال سيدنا عمر ( رض ) في وصف النبي الكريم:
بأبي انت وامي يارسول الله ... لبست الصوف وركبت الحمار.
ونستطيع القول: ان التصوف الاسلامي هو ماتمثل في سنة الرسول ( صلى الله عليه وسليم) واشرقت هذه الحقيقة في سلوك الاصحاب الاخيار الذين تميزوا بالبصيرة ثم يتجلى في سلوك رجال مثل الحسن البصري وداود الطائي ، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد البغدادي، ثم ذاع وانتشراسما ووصفا، وعنوانا ولقبا ومثاله "كلمة الحواري" التي كانت تعني "القميص الابيض" ثم اطلقت على فئة مخلصة كحواري سيدنا عيسى عليه السلام.
وكذلك اطلق اسم الصوفي على المرء الذي اعتزل مباهج الحياة، وتوجه بقلب خاشع ولسان ذاكر وادب جم الى محراب العبادة قائم الليل، صائم النهاريبتغي رضوان الله وحده، جمع بين طهارة الجوارح وزكاة النفس.
وكان ممن وقفوا موقف الاستجابة للامر الا لهي" وذروا ظاهر الاثم وباطنه" وقد يواظب على ذكر، الله الله ، مع حضور القلب حتى يتعود لسانه عليه دون قصد وقد يستمر في حال الذكر حتى يتعود قلبه على الذكر ويمحو اثره في اللسان وهكذا الى ان يبقى معنى الكلمة " الله " حاضرا في قلبه وحده فتزول صورة اللفظ وهيأته.
كما اطلق على هؤلاء:
الزهاد: لانهم زهدوا فيما عند الناس وآثروا في مالهم ولو كان بهم خصاصة .
والفقراء: لحاجتهم الى الله سبحانه.
والغرباء: لانهم يسيحون في الارض لعبادة الله سبحانه. والشكفتية: لاعتزالهم في الكهوف .
والجوعية : لانهم لايأكلون الا بقدر مايسد رمقهم ويعينهم على الطاعة. وحيث ان هؤلاء الطاهرين اتشحوا بلباس من صوف في الاغلب شاع اسم الصوفي وتغلب على الالقاب الاخرى. واستقر هذا الاسم علما لمن سارعلى دربهم سواء من لبس الصوف منهم اومن تخلق باخلاقهم في الادب والسلوك.
قال ابو موسى الاشعري في وصف الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) "انه كان يلبس الصوف ويركب الحمار" وقال ايضا:
"يابني لو رأيتنا ونحن مع نبينا (صلى الله عليه وسلم) اذا اصابتنا السماء وجدت منا ريح الضأن من لباسنا الصوف".
قال الحسن البصري "ادركت سبعين بدريا كان لباسهم الصوف "
وتذكر مصادر عديدة ان اهل الصفة كانوا جماعة من اصحاب الرسول ( صلى الله عليه وسلم) . وهولقب كما قيل اعطي لبعض فقراء المسلمين في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ممن لم تكن لهم بيوت يأوون اليها فكانوا يتكئون على مقعد خارج المسجد الذي امر الرسول ببنائه في المدينة.
والصوف هو رمز التواضع والمسكنة . ولذلك يوصف العابدون بانهم يلبسون الصوف تذللا وتواضعا. اما الذين يراؤون الناس بمظهرهم الصوفي ويقطعون سبل الخير فهم مذمومون مدحورون عند الله ثم عند الناس.
وقد ذهب بعض المستشرقين والمحققين إلى احتمالات اخرى منها:
1 ـ ان اصل الكلمة من الصفاء.
2 ـ يعود في اصله الى اصحاب الصفة.
3 ـ يعود الى الكلمة اليونانية " سوفيا " اي الحكمة ولكننا توصلنا بعد تحقيق عميق الى حقيقة ان الصوفي لم يطلق على هؤلاء الناس إلا لتميزهم بلباس الصوف المعبر عن الادب
والتواضع ، وهو مختار معظم الكتاب والمحققين من القدماء والمحدثين وهو
مما يستقيم مع قواعد اللغة.
|