|
وحسب القاعدة وآداب الطريقة يكون الشخص أثناء
الرابطة مغمض العينين حتى يكون حضوره أتم وأكمل, وإذا رأى أثناء
الرابطة أشكالا وألوانا بنظر خيال. فليوجه ملكة الرابطة إليها ويستمد
منه أن يدفع هذا المشهود، واذا لم تمح بواسطة الرابطة فلا يشغل فكره
بها، ولا يبالي بوجودها.
ويداوم على شغله وانتظاره كما في السابق، واذا ظهرت صورة المثال لصاحب
الرابطة، يعني المرشد، بشرط الاشتغال مع الروح المجرد لا مع الصورة،
فلا بأس وان قيل: كيف يتصور إحضار ملكة الرابطة بدون تصوير وتجسيم وتخييل صاحب الرابطة.
نقول: أن هذا له مثال لون ورا ئحةالأزهار من أغصان وأوراق الأزهار
نفسها أو إحساس ضوء الشمس من كوة داخل الغرفة محسوس ومتصور يتميز بعضها
من بعض وليس له وجود خارجي بمعنى وجود قائم بنفسه.
أو بعبارة اوضح: ان كل فرد يصدق ويذعن اذعانا كاملا بوجود روحه وهو
متعلق بجميع ذرات وجوده في بدنه، ومع هذا ـ في نظر غير أهل البصيرة،
فإن تصور حقيقة الروح ليس ممكنا، وإن الاجسام اللطيفة مثل الجن والملك
والهواء وغيرها موجودة، ووجودها الخارجي قائم بذاته وتصوير أشكالها
واختراع صورها خارج عن قوة خيالنا.
والمهم أن المبتدىء عليه أن يشتغل بهذا الترتيب في إحضار ملكة الرابطة
ويداوم عليه، وكما قيل: ان هذا السؤال والجواب لأشخاص حديثي عهد
بالطريقة والقادمين لأول مرة، ويجب ان يدخل بصدق النية وتسليم كامل ،
ولا يدع للخيال الباطل والتصور الفاسد أن يتسرب الى ذهنه فيشوش عليه
حاله، لأنه رقيق جدا والإفبعد مدة وجيرة من الدوام على هذا النحو يظهر
عليه، حسب إستعداده وسعيه وضع شهودي ان شاء الله.
ويتحرر عن التقليد والتصور المحض ويظهر له بجلاء عالم آخر، ووضع جديد، وحالة وجدانية لم يكن يحس بها من قبل، ويعلم انه يوجد ما وراء عالم
المادة والمشاهدة عالم آخر وهو عالم المجردات وإدراك حقائق الاشياء
وحقيقة معرفة الله تعالى إلى حدود الطاقة البشرية.
وفي غير هذا العالم ـ عالم التصوف ـ غير ممكن ولا يمكن الخروج عن دائرة
التقليد ولو كان أرسطو زمانه. وليعلم المبتدىء ان هذا الترتيب في أول
جلسة الرابطة، وليس من الواجب أن يتخيل في كل لحظة ان ملكة الرابطة
باقية في مكانها أولا، أو أن الفيوضات الواردة من النبع إلى قلبه
باقية بحالها أولا.
وكمثال على ذلك أن البستاني أو المزارع وقت السقي والارواء يأخذ من
النهر او العين المعينة مقداراً لازما من الماء يلاحظه ويرعاه إلى أن
يصل الى البستان او الحقل، وبعد وصول الماء لا يراجع المنبع كل لحظة،
بل يشتغل بالسقي والارواء، وليحذر أن يجلب لنفسه خواطر ما يوجب تشويش
الخاطر، ولو ظهرت اثناء الرابطة أمور خيالية وتفكرات واهمة وشغلته عن
إنتظار الواردات، فلينتبه وليرجع الى الرابطة وهذا كاف.
وكلما كان مرتبطا وفكره مع الرابطة، فالرابطة لاتدعه يتيه ويضل، وهو
معذور في خيالات لا تنقطع حتى في الصلاة والعبادة ولهذه الرابطة ـ
وتسمى الرابطة المخصوصة ـ لا بد ان يجلس المريد نصف ساعة أو أكثر بهذه
الشروط. اما الرابطة الدائمية والانتظار العمومي لايحتاج الى هذه
الشرائط وانما يكفيه الانتظار، ومعلوم أنه كلما كان الاشتغال أكثر كان
النفع أزيد وأقوم.
وكلما أراد أن يجلس للذكر القلبي، يعني أن يكون ذاكراً بالقلب لله،
فليدع الرابطة ويتركها ويشتغل بالذكر القلبي بهذا المنوال: يحبس
نفسه، ويلصق لسانه باللهاة ـ الحنك الأعلى ـ ويصور قلبه مثل ماعون
ويضرب بالخيال اسم الجلالة ـ الله ـ وهو الاسم الاعظم على قلبه بعدد
الوتر.
وحين ضاق نفسه وأراد تجديد النفس فليقطع العدد على الوتر ثلاثة الى
واحد وعشرين، ويستأنف نفسا جديدا ، مع تصور معنى ومدلول كلمة " الله
" وهو ذات بلا مثل.
ولا بد من وجود المعنى المدلول في جميع أوقات الذكر ـ كالسابق ـ بنية
تنوير شرائح قلبه، ويمتلىء من محبة الله، ويمحو ما سوى الله من صفحة
قلبه. وحسب الاقتدار يضرب بخياله اسم" الله " بقوة على قلبه بحيث
يشعر قلبه بالألم، وهذا أيضا نصف ساعة أو أكثر.
واذا جاء وقت النوم فلينم على هذا الذكر والحضور القلبي، أوحان وقت
كسب وغيره، فلا يغفل، ويشغل نفسه بهما، ولا يخلو وقته عن الذكر أو
الرابطة.
ولا مانع من اشتغاله بأي شيء حلال ظاهرا، وان الآية الشريفة{
وَكُونُوا مَع الصٌدِقِينَ} ـ التوبة 119 ـ والآية{ وَلاَ تَكُن مِنَ
الغَفِليِنَ} ـ الأعراف 205 ـ تشيران الى هذين المعنيين : الرابطة
والذكر القلبي، وهذا كاف للمبتدىء ، والبقية محولة الى لطف الله
وتوفيقه الخاص { وَأَن لٌيْسَ لِلإِنسَنِ إِلاٌَمَا سَعَى}ـ النجم 39
ـ ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وآخر دعوانا ان الحمد لله
رب العالمين، وصلى الله على سيدنا و مقتدانا محمد و على آله و أصحابه
أجمعين.
خادم العلماء والفقراء والمساكين
الشيخ محمد عثمان سراج الدين
|