|
و ان كان حضور الحق مقابل حضور الحق بحيث لم يسكرك هذا الحضور فتنسى الناس ، و لم يؤثر في حضورك الناس، فيسمى " ذكر القلب " وان كان حضور الحق غالباً فهذا "ذكر الروح" وان انساك هذا الحضور نفسك ولكن لم تنس الخلق فهو" ذكر السر" فان انساك حضور الحق
نفسك والخلق فهو "ذكر الخفي". فما هو الحضور؟ وكيف الاحساس به؟ قال: ان استطاع المريد النظر الى قلبه وعرف انه قريب من الله سبحانه فهذا هوالحضور وحتى اذا لم يكن دائما فانه واضح للسالك. و قد يقل الحضور بسبب انشغال المريد بكسب الدنيا وان كان حضوره بشكل "كأنك تراه" وفي كل وقت وحال، حين الكلام وحين السكوت، وعند السرور والغضب، و اصبح الحضور ملكة فهذه الحال تسمى"الوعي الدائم" وهوالتذكرالدائم. وهي إحدى اسس الطريقة النقشبندية.
وتبذل هذه المحاولات، ذلك انه قد سعد بعين بصيرته بالرؤية والمشاهدة و
قد يشعر السالك في هذه الحال انه يشاهد بعين البصر لا بعين البصيرة اذ يغلب عليه الحضور فيتلفظ بكلمات يفهم منها الحلول والاتحاد، والحقيقة انه في حال حضور وما يقوله يعتبر شطحات تخرج من فمه وقد يقال له انك قلت كذا وكذا فلا يصدق كما هو حال السكران بعد افاقته. وهذه الرؤية تشبه الرؤية المنامية التي هي رؤية خاصة. و لايمكن رؤي الله بعين البصر في هذه الدنيا فان سمعنا امرا مخالفا من مجذوب فعلينا ان نعلم يقصد ما يحس به في نفسه لافي الواقع . وقال الشيخ عبد الله الدهلوي: و بعد هذه الحالة "عين اليقين" تبدا "المراقبة المعية" كما قال سبحانه وتعالى ..( وهو معكم أينما كنتم) الحديد 4 . وهنا اجيز للذكر باللسان وهذا النوع من القرابة يعتبر من الولاية الصغرى وهي اول درجة الاولياء وهي قطع المسافة في ظل "اسماء الله" وهذا المقام يسمى مقام الجذبة فيتحقق له الشعور بالبركة، والخفقان، و
الشوق و البكاء و
الذوق و التوحيد الفعلي وتجليات نور
الحق ورؤية الوحدة و الكثرة وحالات الانس و
الهيمان والوحشة والحيرة كما لا يخفى على ارباب هذه الولاية، ويتحقق ايضا الاستغراق في بحر
المعرفة فينقطع عن علاقاته بالناس و ينسى ما سوى الله و
يسلم قلبه من الخطرات والوساوس. و هذه تتحقق في مرحلة الولاية و
يتحقق هنا ايضا فناء القلب اي الدوام على حالة السكر
الروحي و طرد ما سوى الله في قلبه.
و يقول احد الشعراء بهذه الدرجة ما
معناه:
متى افترق عن نفسي
و لا يبقى انا و
انت
و الباقي هو الله
و هذه حالة المعية او المراقبة المعية.
سبق ان ذكرنا ان الله قريب منا و في القرآن الكريم "نحن اقرب اليكم من حبل الوريد" و
العبد ايضا لسبب تزكية باطنه يشعر بهذا القرب والحقيقة ان كل عبد قريب منه و
لكن الطاهر يحس بالقرب اما الذي لم يتزك قلبه فانه لايشعر بنعم الله، و
تحدث الشيخ عبدالله عن اربعة انواع من الفناء فقال:
1 ـ فناء الخلق: و هو أن لا يخاف من أحد و
لا يرجو أحد الا الله.
2ـ فناء الرغبة: فالسالك هنا لا يرغب إلا في القرب منه سبحانه.
3 ـ فناء الارادة: فلا تبقى له ويكون كالميت فلا يطلب شيئا.
4 ـ فناء الافعال : لاتبقى له قدرة على اي فعل فيريد كل شيء من ربه
او عندما تنتهي قدرته على الفعل يتولى الله سبحانه اعماله، وهذه اشارة
الى الحديث القدسي" ما يزال عبدي يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها " .
كما ذكرنا سابقا : يقول النقشبنديون ان مقام الولاية عبارة عن عشرة مقامات هي: التوبة، الانابة، الزهد، القناعة، الورع، الصبر، الشكر، التوكل، التسليم، الرضا.
وفي النقشبندية ان مقام الولاية وفناء القلب لا يكفي ليكون الشيخ مرشدا و
لا يكون كذلك الا بعد فناء النفس وتحقق كمالات الولاية الكبرى فيكون صالحا للاجازة المطلقة في الارشاد.
ان في حال فناء القلب تزول الخطرات من القلب فتنزل في النفس وفي حال فناء النفس التي مكانها في الجبين لا يبقى مكان للخطرات . و هذه الدرجات التي يقطعها السالك في رحلته الى الله سبحانه من اولها الى الدرجة التي لا يعلمها الا الله وقد يحس بها السالك شبهت بالدوائر . وهذه الدوائر تشتمل على جميع اللطائف والمنح والمواهب في مقدمتها تسمى دائرة الامكان وفي اخرها دائرة اللاتعيين ، وهي عشرون دائرة ، وفي هذه الدوائر قال بعضهم : اذا ازيل حجاب على خد المحبوب يظهر
حجاب آخر، واذا قطع حجاب يظهر حجاب آخر. وقد تحدث الامام الرباني في مكتوبانه والشيخ عبد
الله الدهلوي في كتابه ايضاح الطريق عن هذه الدوائر وهي اسم معنوي ولكنه يشبه فعلا الدوائر وواضح عند سالكي الطريقة النقشبندية وسأتناولها باختصار:
على السالك قبل كل شيء أن يقطع دائرة الامكان وهي تمام عالم الخلق و
الامر و العروج بتزكية هذا العالم، وهو عبارة عن تزكية اللطائف الخمس وتزكية النفس والعناصر الاربعة وطبيعة الجسم ، فإن أكمل مسيرة هذه الدائرة بالتزكية تخلص من دائرة الامكان ووصل الى الدائرة الثانية و
هي الولاية الصغرى التي هي ولاية الاولياء وفي هذه الولاية يبدا السير والعروج نحو قمة المطلوب في ظلال الاسماء و
الصفات ومن هذا الموطن يتحقق الشروع في حقيقة الفناء "الجذبة" من ثمراته .
وبعد العروج من الدائرة السابقة بطريقة السير في ظل اسماء الله يكون ذلك شروعا في الولاية الكبرى وهي مخصوصة بالانبياء عليهم الصلاة والسلام بالاصالة و
وصول اصحابهم الكرام الى هذه الدائرة بالتبعية ومن وصل الى هذه الدائرة فقد اجتاز مقام "فناء النفس". ان فناء النفس وفناء القلب يختلفان عن تزكية القلب او تزكية النفس فالتزكية هي للابتداء وهي تهيئة للقلب ليس الا، و
لكن فناء اللطائف مقام اعلى وهو آخر درجة، و دائرة الولاية الكبرى لها ثلاث دوائر وقوس واحد اي ثلاث دوائر ونصف دائرة يحس بها السالك وعليه ان يجتازها واحدة بعد الاخرى بكل قوة ورجولة كما هو حال السالك في طريق جبلي او طريق صحراوي. والسالك نفسه يعرف اين هو !! ويتم السير في هذا الطريق في ظل الاسماء والصفات و
ثمار السالك من هذه الدائرة هي الفناء الحقيقي، حقيقة الاسلام، وشرح الصدر، ومقام دوام الشكر والرضا،
دائرة الولاية العليا
وهي دائرة الملا الاعلى من الملائكة والارواح وتحصل للصالحين بالتبعية.
وفصل الامام الرباني ذلك فقال:
ان عمر الانسان كله لا يكفي لا جتياز خطوة في هذا الميدان لولا عناية الله سبحانه، و
في هذا الموضوع يشير الى قوله تعالى " تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة " المعارج
4.
|
الصفحات التالية
7 |
|