|
4 ـ الخلوة في الجلوة : "خلوت در انجمن " ومعناه ان جسده مع الخلق وقلبه مع ربه. والخلوة نوعان:
خلوة مادية ،
وهي عبارة عن انتقال السالك الى زاوية معزولة للتعبد والتأمل وهذه نافعة للسالك لضبط حواسه وامكان التركيز على قلبه والانهماك في حال قلبه ومن المعلوم انه كلما استطاع تعطيل الصفات الخارجية من العمل تزداد الصفات الباطنية نشاطاوعملا وبهذا يقرب من عالم الملكوت بشكل احسن.
والنوع الثاني:
خلوة القلب بحيث لا يغفل عن ذكر ربه حتى اذا كان مع الناس ومشغولا بالكسب والذهاب والاياب فيبقى قلبه ذاكرا ولايغفل عن ربه قال تعالى "رجال لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله" النور37 والمقصود هنا المعنى الثاني . قال الشيخ محمد امين الكردي في كتابه تنويرالقلوب" فمعناه ان يكون قلب السالك حاضرا مع الحق في الاحوال كلها غائبا عن الخلق مع كونه بين الناس" . ويستحسن معظم كبار علماء التصوف ان يبقى قريبا من الناس ، عاملا بالكسب الحلال بعد ان يستقر السالك ويتقدم في سلوكه .
قال الشيخ ابو سعيد الخراز المتوفى 279 هـ:
ليس الكامل من صدر عنه انواع الكرامات وانما الكامل الذي يقعد بين الخلق يبيع ويشتري معهم ويتزوج ويختلط بالناس ولا يغفل عن الله لحظة واحدة .ويقولون
( الصوفي كائن بائن ) اي بالظاهر والجسم كائن مع الخلق والباطن والقلب بائن عنهم.
قال الامام الرباني :
الخلوة في الجلوة فرع للسفر في الوطن ذلك انه متى يتيسر السفر في الوطن يسافر في خلوة الوطن ايضا في نفس الجلوة ولاتتطرق تفرقة الافاق الى حجرة الانفس . وقال : هذا العمل في البداية صعب ولكنه سرعان مايسهل وقال: هذه الموهبة في طريقتنا للمتبدئين اما في الطرق الاخرى فهي للمنتهين.
ذلك انها تحصل في السير في الانفس وهي بداية الطريقة النقشبندية والسير الافاقي يحصل مع السير في الانفس والسالكون من الطرق الاخرى عليهم ان يكملوا السير الافاقي ثم يبدأوا بالسير في الانفس . وللتوضيح اقول :
أن السير الافاقي هو سير في عالم المادة وفي عالم الخلق .
إما السير في الانفس فهو عبور المقامات القلبية الباطنية وتسمى اللطائف وهي من عالم الامر ، والاسرار والانوار التي تكشف خارج القلب هي من عالم الخلق اي الافاقي وماتكشف في القلب وترى فهي للانفس وعالم الامر .
والتحلي بهذه الصفات والقدرة على تحقيق هذه الاعمال هي من مواهب هؤلاء السالكين الذين ملكوا هذه الدرجات بما قدموا من الذكر والعبودية والصدق والمجاهدة .
5 ـ الذكر الدائم ( يادكرد ) :
والذكر بالمعنى العام الذي يشمل ذكر اسم الجلالة والتأمل ، والصلاة وقراءة
القرآن الكريم والدعاء هو اساس السلوك الصوفي ، والغالب الشائع من معانية
هو ذكر اسم الجلالة "الله" والتأمل .
والذكر قد يكون جهرا وقد يكون سرا والسلوك النقشبندي يعتمد الذكر السري
وله صورتان : ذكر "الله" عز وجل ، و النفي والاثبات "لااله الا الله" وفي الحديث الشريف (افضل ما قلت انا و النبيون من قبلي ،
لااله الا الله ) وهذه الطريقة كانت تسمى الطريقة الخواجية ، باسم مرشدها الاكبر المعروف بخواجه عبد الخالق الغجدواني، وهو الذي اسس الذكر السري في الطريقة النقشبندية وروجه وابتكر هذه النصائح التي نحن بصدد بيانها، وقد ظل الذكرالجهري معمولا به بجانب الذكر الخفي عند السالك الى عهد الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي وهو رئيس الطريقة النقشبندية اذ قرر ان الطريقة هي الذكر القلبي لا غير، واضاف ثلاث نصائح اخرى الى كلمات الغجدواني وهي : الوقوف القلبي والوقوف العددي والوقوف الزماني فاصبحت (11) كلمة او نصيحة .
والمقصود بالذكر هنا هو مداومة الذكر والتذكر، والفائدة في الذكر القلبي انه لايحتاج الى صوت او حرف اي القول باللسان فيستطيع ان يذكرالسالك حتى في خضم العمل ولكن الذكر اللساني لايتحقق في حال العمل ولاسيما في حال الكلام مع الناس .
وهذا الذكر القلبي يتطلب المداومة حتى يتحقق للذاكر السالك الحضور الدائم مع المذكور وهو الله سبحانه وهدفه هو هذا الحضور وحينذاك يدرك السالك بحسه الباطني وبعين بصيرته أنه حاضر امام ربه ويرى البركات وهي حالة المشاهدة .
وقد ذكرنا ان منهم من يذكر الله في يوم واحد (25) الف مرة واقل الذكر بالنسبة
للمبتدئين(5) الاف مرة، وبعد ان يبلغ مرحلة الحضور لا يبقى للعدد مفهوم وكذلك
الذكراللساني ذلك ان المذكور، وهو الله قد احاط بقلبه والسالك يقطع المقامات .
6 ـ العودة من الذكر الى الذات " بازكشت ":
ومعناها رجوع الذاكر من النفي والاثبات "لااله الاالله" بعد اطلاق نفسه الى المناجاة بهذه الكلمة الشريفة باللسان او بالقلب "الهي انت مقصودي ورضاك مطلوبي" وذلك لطرد كل الخيالات من قلبه حتى يفنى من نظره وجود جميع الخلق .
7 ـ حراسة القلب من الغفلات او الحضور الدائم
." نكاه داشت ":
ومعناه ان يحفظ المريد قلبه من دخول الخواطر ولو لحظة فان خطرعلى قلبه شيء حق ام باطلا فعليه يوقف ذكره حتى ينتهي من طرد الخواطرفيبدا بالذكر من جديد . وجاء في كتاب( مناهج السير) للسيد ابي الحسن زيدالمجددي الفاروقي مطبوع في دلهي 1957 : ان هذا التوقف معناه انه على السالك ان يحافظ على الثمار من البركات التي حصل عليها بمداومة الذكر اوعلى درجة الحضور والمشاهدة التي حصل عليها باستقامته على الذكر فلا يسمح بتسلل الخطرات الى قلبه .
وفي كتاب رشحات عين الحياة ( المطبوع 1912 في كانبيرا) ينقل فخرالدين على الكاشفي عن سعد الدين الكاشغري : على السالك أن يتمرن ساعة او ساعتين او ثلاث ساعات يوميا حسب طاقته على حبس ذهنه وفكره القلبي بحيث لا يخطر في قلبه شيء ولايبقى في قلبه غير الله سبحانه ويرى بعضهم ان التوقف خاص بذكر النفي والاثبات ( لا اله الا الله) وهو ان يرسخ معنى الذكر في قلبه ويحبسه لكي يدوم المعنى وهو انه "لا اله الا الله" فان لم يستطع فلا يحصل له الحضور القلبي .
وان هذه المحاولة كما يبدو تهدف الى دوام الحضور، ذلك ان حضور القلب وحفظ الباطن عن كل الخطرات والخيالات من اهم مقاصد الصوفية يرعاها المتصوفون، وهي درجة من درجات التصوف . وللمشايخ اقوال ونصائح عديدة في هذا المجال . ويجب ان نعلم بانه ليس المقصود ان لايمراي خاطر في القلب ولكن معناه هو ان لايستقر ويكون كالاوراق التي تمر سريعا على الماء الجاري ولاتتوقف . وفي كتاب الحدائق الوردية للسيد عبد المجيد الخاني رواية عن علاء الدين العطار يقول "ان منع الخطرات والخيالات عن التسلل الى القلب صعب وشاق ولكن عليكم العمل على طردها وعدم ابقائها" . وقال : اني حرست قلبي عشرين سنة من الخطرات والخيالات ومع ذلك تسللت الى قلبي بعد كل هذه المدة ولكنها لم تستقر .
|
الصفحات التالية
3 |
|